الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

35

تفسير روح البيان

المشرفة كالصديق والفاروق وأصله مشيحا بالعبرانية ومعناه المبارك عِيسَى بدل من المسيح معرب من ايشوع ابْنُ مَرْيَمَ صفة لعيسى وتوجه الخطاب إلى مريم يقتضى ان يقال عيسى ابنك الا انه قيل عيسى ابن مريم تنبيها على أن الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات فأعلمت بنسبته إليها انه يولد من غير أب فلا ينسب الا إلى أمه وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين فان قلت لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم وهذه ثلاثة أشياء الاسم منها عيسى واما المسيح والابن فلقب وصفة . قلت الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره فكأنه قيل الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة . وفي التيسر اللقب إذا عرف صار كالاسم وَجِيهاً حال من الكلمة وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة والوجيه ذو الجاه وهو القوة والمنعة والشرف فِي الدُّنْيا بالنبوة والتقدم على الناس وَالْآخِرَةِ بالشفاعة وعلو الدرجة في الجنة وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ اى عند ربه بارتفاعه إلى السماء وصحبة الملائكة فيها وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا اى يكلمهم حال كونه طفلا وكهلا كلام الأنبياء عليهم السلام من غير تفاوت يعنى ان تكلمه في حالة الطفولية والكهولة على حد واحد وصفة واحدة من غير تفاوت بان يكون كلامه في حال الطفولية مثل كلام الأنبياء والحكماء لا شك انه من أعظم المعجزات . قال مجاهد قالت مريم إذا خلوت انا وعيسى حدثني وحدثته فإذا شغلني عنه انسان يسبح في بطني وانا اسمع وتكلمه معهم دليل على حدوثه لحدوث الأصوات والحروف - روى - انه لما بلغ عمره ثلاثين سنة أرسله اللّه إلى بني إسرائيل فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رفع إلى السماء أو جاءه الوحي على رأس ثلاثين سنة فمكث في نبوته ثلاث سنين وأشهرا ثم رفع . والكهل من تجاوز الثلاثين إلى الأربعين وقارب الشيب من اكتهل النبت قارب اليبس فعلى هذا صح ان يقال إنه بلغ سن الكهولة وكلم الناس فيه ثم رفع واما على قول من يقول إن أول سن الكهولة أربعون سنة فلا بد ان يقال إنه رفع شابا ولا يكلم الناس كهلا الا بعد ان ينزل من السماء في آخر الزمان فإنه حينئذ يكلم الناس ويقتل الدجال وَمِنَ الصَّالِحِينَ هذه الأربعة أحوال مقدرة من كلمة والمعنى يبشرك به موصوفا بهذه الصفات وذكر قوله ومن الصالحين بعد ذكر الأوصاف المتقدمة دليل على أنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحا لأنه لا يكون المرء كذلك الا بان يكون في جميع الأفعال والتروك مواظبا على النهج الأصلح والطريق الأكمل ومعلوم ان ذلك يتناول جميع المقامات في الدين والدنيا في افعال القلوب وفي افعال الجوارح قالَتْ مريم متضرعة إلى ربها رَبِّ أَنَّى يَكُونُ اى كيف يكون أو من أين يكون لِي وَلَدٌ على وجه الاستبعاد العادي والتعجب من استعظام قدرة اللّه فان البشرية تقتضى التعجب مما وقع على خلاف العادة إذ لم تجر عادة بان يولد ولد بلا أب وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ آدمي وسمى بشرا لظهوره وهو كناية عن الجماع اى والحال انى على حالة منافية للولد قالَ اى اللّه عز وجل أو جبريل عليه السلام كَذلِكِ إشارة إلى مصدر يخلق في قوله عز وجل اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ان يخلقه اى اللّه يخلق ما يشاء ان يخلقه خلقا مثل ذلك الخلق العجيب والأحداث البديع الذي هو خلق الولد من غير أب فالكاف في محل النصب على أنها في الأصل